الحوثي واستراتيجية تفكيك القبيلة في شمال اليمن

قبل 11 ساعة و 51 دقيقة

لم يعد المشهد القبلي في شمال اليمن مجرد نزاعات محلية أو خلافات ثأرية، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة لاستراتيجية تأمرية ممنهجة تديرها مليشيا الحوثي في مناطق سيطرتها، تهدف إلى ضرب القبائل من الداخل وإضعافها ككيان اجتماعي وسياسي أساسي.
 
في محافظة إب، تصدرت قضية “نكف آل فاضل” واجهة الأحداث حين انطلقت الدعوة القبلية من جبال العود كرد فعل على الانتهاكات الحوثية، أبرزها الاحتجاز التعسفي لرموز آل فاضل مثل الشيخ عقيل محسن فاضل وطارق فاضل، رغم صدور أحكام بالإفراج عنهم. وأشعلت هذه المليشيا نزاعات قديمة بين آل فاضل وآل النجار، لإغراق المنطقة في صراع داخلي يمنع أي موقف جماعي رافض، ويؤكد سياسة تفكيك النسيج القبلي.
 
في محافظة عمران، اتخذت السياسة الحوثية طابعاً أكثر دموية. حيث بدأت المليشيا الحوثية باعتقال المشايخ التقليديين ومصادرة ممتلكاتهم، ثم تطورت إلى إذكاء نزاعات مصطنعة حول الموارد والخلافات البينية. بلغت الذروة في يناير 2026 باغتيال الشيخ حمود صالح الشعملي في مديرية حرف سفيان، ما أشعل اقتتالاً واسعاً بين قبيلتي الشعاملة وبيت أبو قاسم، وسط صمت الحوثيين المتعمد لضمان استنزاف القبائل وإضعاف أي تماسك يهدد نفوذهم.
 
وفي مديرية الحدا ومناطق الأوضان بمحافظة ذمار، أعاد الحوثي إحياء الثارات القديمة واستخدمها كسلاح عقاب جماعي ضد القبائل الرافضة للتحشيد، تاركاً المجال لتفجر النزاعات دون تدخل. أدى ذلك إلى تدهور الوضع الأمني وتحويل المجتمع القبلي إلى كتل متناحرة فاقدة القدرة على اتخاذ موقف موحد، ما مكن هذه العصابة الكهنوتية من السيطرة على الموارد البشرية والمالية.
 
أما في محافظة البيضاء، فاتبعت مليشيا الخوثي سياسة تفكيك القبيلة بأسلوب عنيف وواضح، شنت بموجبه هجمات مباشرة على قرى كاملة مثل قرى حنكة آل مسعود، مستخدمة القوة المفرطة لإخضاع السكان. كما استهدفت مشايخ ووجهاء بارزين، من بينهم الشيخ شايف المسعودي، لترسيخ الردع والترهيب بدل الأعراف والوساطات القبلية.
 
ويتقاطع هذا المشهد مع سياسة عامة اعتمدتها مليشيا الحوثي في محافظة صنعاء، حيث اعتقلت المشايخ واختطفت الوجهاء من ابناء قبيلة بني مطر وأخفتهم قسرياً، كما حدث مع الشيخ أمين جمعان والشيخ أحمد حمود شرهان. حيث رافق هذه الاعتقالات مصادرة الأموال عبر “الحارس القضائي”، وإقصاء المشايخ التقليديين وإحلال مشرفين غرباء محلهم، ما عمّق حالة الاحتقان ووسع دائرة الغضب داخل المجتمع القبلي.
 
في النهاية، يتضح أن ما يجري من صنعاء إلى إب وعمران وذمار والبيضاء ليس مجرد أحداث متفرقة، بل سياسة واحدة تُدار من قبل الحوثين بأدوات متعددة: اعتقالات، اغتيالات، إذكاء ثارات، وصمت متعمد عن الاقتتال. والنتيجة استقرار هش قائم على الخوف.
 
ان القبيلة اليمنية، وبما تمثله من خط دفاع أول عن الهوية والنسيج الاجتماعي، وما توفره من سند ومدد للجمهورية والدولة اليمنية ، لا تزال عصية على الكسر. حيث يدرك الحوثي أن القبيلة هي القوة الكامنة التي يمكن أن تُفشل مشروعه، ولهذا يسعى جاهداً إلى نحرها وتفريقها، في ظل صمت الشرعية اليمنية التي لم تحرك ساكناً منذ سنوات.