ملف القناصة بتعز (ح 5)- أول ضحايا القنص من المقاتلين ولمرَّتين.. قصة الشاب الشرعبي «بين طلقتين وعكازتين»

  • تعز، الساحل الغربي، ضيف الله الصوفي:
  • 08:49 2021/11/22

ملف: تعز.. حياة محاصرة بالقناصة (ح 5) :
 
- [رفض تصويره]..مُقاتل في عدسة القناص: حياة بين عكازتين: قصة أول - ضحايا القنص من المقاتلين 
 
- "رجعت الجبهة أقاتل لأننا ما قدرت أجلس في البيت وغيري في المقدمة
 
- طلقتان حوثيتان في زمنين متفرقين... المقاتل الشرعبي الذي لا يفر
 
- .. ناهيك عن سوء ظروفه المعيشية في ظل انقطاع الرواتب (!!)
 
في المَترس.. خامس ضحايا قناص الميليشيا
 
بقدم واحدة وأخرى مَشلولة، بعكازتين يتخطى إبراهيم المُحمدي مسافاته ببطء بعد أن أصبح مُثقلاً بعذابات رُسمت آثارُها على جسده المثقوب بالرصاصات.. لم يعد ذاك الشاب الذي كان يُقاتل ويجوب أماكن القتال بلا ككل أو ملل أو تراجع.. حاله اليوم ليس كأمسه، فقد تبدل وصار ما إن يقطع بضعة أمتار حتى يستريح، يستعيد نَفَسَه وهدوء أعصابه، ليقطع مسافة أخرى.
 
طلقتان غيرتا مسار حياته وحولتاها إلى جحيم، وعجز، وخطوات مُثقلة وهموم مُوازية.. لقد خطف القناص حركته الطبيعية بطلقتين، إحداهما أفقدته بعض أعضاء نصفه الأيمن، وأخرى غدرته من خلفه وكادت أن تقصم ظهره.
 
إبراهيم، ثلاثيني العمر، يرجع أصله إلى شرعب السلام، شمال تعز، لكنه يسكن المدينة منذ طفولته وسط حيِّه الدائم "كلابة".. الحي الذي حاول الحوثيون السيطرة عليه ولم يفلحوا رغم الخسائر البشرية والعسكرية التي قدموها خلال سنوات الحرب.
ففي مارس/ آذار من العام 2015م كانت البدايات الأولى لانطلاق المقاومة داخل المدينة.. حينذاك شكل أهالي كلابة جبهة خاصة، بعيدة عن كل التشكيلات والفصائل والجبهات الأخرى، حيث كان لشباب المنطقة دور كبير في هذا التشكيل.. سلّحوا أنفسهم، وجنّدوا الصغير والكبير حتى من لم يفقه حمل السلاح.. تقدموا الصفوف دون خوف أو انكسار، وصار الجميع في سباق على الموت والتضحية.. هكذا وقفوا بمجهودهم الذاتي أمام تقدم الميليشيا.. يحمون هذه البُقعة الحُدودية الفاصلة بين طرفي الحرب.. والتي كانت مَسرحًا كبيرًا للكثير من قصص البطولة والأسى معًا.
 
هُنا قصة واحد من أولئك الشباب "المُقاتلين" الذين خرجوا في تلك الفترة للقتال دون تردد، إيمانا بقضية المدينة المُحاصرة وبواجب الدفاع عنها.. ربما كان يُدرك حتمية القدر في ظروف كهذه، لكنه كان قد عاهد نفسه أن يكون سابقًا رفقاءه في ساحة القتال، وهذا ما جعله صيدًا سهلًا لقناص الحوثي المُتمركز في الطرف المقابل للحي.
 
 
"كنا نقاتل ونتقدم وما نهم أرواحنا"
 
يقول إبراهيم: "قنصتُ بالرأس.. ودخلت بغيبوبة لمدة 12 يوما" القنص في الرأس يعني الموت بلا مُساومة، لكن أحيانا قد ينجو المقنوص مُقابل أن يدفع غياب وعيه لأيام ضريبة أن تبقى روحه على قيد الحياة..
 
ويضيف: "قنصنا وأنا أقاتل في جبهة كلابة.. أيام ما كان بيننا وبين الحوثي "زغط" (ممر ضيق بين منزلين).. كنا نقاتل ونتقدم وما نهم أرواحنا". 
 
لك أن تلمس في هذه الكلمات مدى حماس الشاب وشجاعته. يُقاتل، ويتقدم دون أن يُعير روحه اهتماما، فكل ما يهمه هو منع الحوثي من دخول المنطقة. وبالرغم من مرارة الذكرى إلا أن ملامح عينيه توحي بإصرار المُحارب القديم، الذي يقاتل وكأنه في معركة اللا عودة.
 
"إصابة دماغية نافذة"
 
نُقل المُصاب إلى المُستشفى القريب منهم "الروضة" وكما أفادت التقارير الطبية فإنه وصل يعاني من إصابة دماغية نافذة، خضع على إثرها لعملية دماغية بغرض إفراغ النزيف، الأمر الذي استدعى بقاءه في غرفة العناية المركزة لأكثر من نصف شهر.. لكن المؤلم هو أن مُعاناته لم تتوقف عند هذا الحد، فقد اتضح بعد أيام قليلة أنه مُصاب بشلل في الجزء الأيمن من جسمه.
 
 
شقيقه : "أسعفناه.. رَجِعنا نقود الجبهة"
 
من جهته قال شقيقه مُعتصم، قائد الموقع آنذاك لـ"الساحل الغربي": أسعفناه للمستشفى وتركناه هناك.. رَجِعنا نقود الجبهة". قد يحسبه البعض تركًا أو تخلي الأخ عن أخيه، لكنها المسؤولية، ومهمة القائد تجاه ما يقوده وحفاظًا على ما هو تحت سيطرته.. ويتابع: "عملوا له عملية، لكنه ما تعافى.. عانى كثير وما زال يعاني حتى اليوم.. رجله اليمنى مشلولة".
 
 
رصاصة أصابت رأسه، فعطلت بعض أجزائه اليمنى، وبها شُلّت حياته لتصبح محصورة بين عكازتين.. طلقة رَمَته إلى رصيف الجراح والألم اليومي، لكنه لم يستسلم لمعاناته فقد عاد مُستأنفًا القتال في موقعه بنصف جسد.. تجاهل مرضه وعاد قاصدًا حسم المعركة، وتحقيق النصر وفك الحصار، وفق ما قاله.
 
"رجعت الجبهة أقاتل لأننا ما قدرت أجلس"
 
من جديد تموضع في مترسه مُقعدا.. لم يتخلَ عن مهمته وإن كان جريحًا وهذا ما يُجسد معنى التضحية الحقيقية.. يؤكد: "رجعت الجبهة أقاتل لأننا ما قدرت أجلس في البيت وغيري في المقدمة.. الفترة التي قضيتها بالمرض أثقلت روحي خصوصا حين أسمع أصوات الاشتباكات قريبة مني"، مُشيراً: "نحن خرجنا ضد الحوثي.. قاتلنا بسلاحنا والذخائر، ولم نتراجع".
 
ثانية.. رصاصة قناص
 
وما إن مضت أشهر قليلة على عودته حتى وقع ضحية القناص الذي أصابه هذه المرة في الحوض، وكأن لسان حاله تتساءل بتعجب، أما زلت تقاتل وأنت مشلول النصف؟! ويجيب: "خذ إذن طلقة تُقعدك على الفراش أو تأخذك إلى مثواك الأخير.. لقد قلب موازين العودة التي خطط لها إبراهيم إذ زاده ثُقب آخر ضاعف عذابات جسده النحيل.. وبعبارة لخص فيها الرجل عودته وحادثة قنصه للمرة الثانية.. "رجعت إلى لقف الطَّاهش.. ولقيتُ قَدَري".
 
سقط إبراهيم ببندقيته وعكازتيه
 
 
بالقرب من مُستشفى الحمد الواقع أسفل فرزة صنعاء، شرق المدينة، سقط إبراهيم ببندقيته وعكازتيه.. ها هو مشهد الإسعاف يتكرر، لكن على أكتاف أفراد غير الذين أخذوه في حادثته الأولى.. حملوه على أكتافهم وصولًا إلى أطباء مُستشفى الروضة والذين بدورهم أجروا له عملية التنظيف والعلاج ثم نقلوه إلى قسم الرقود.
 
انقطاع الراتب!
 
طلقتان حوثيتان أصابتا الرجل.. كانت الأولى كفيلة بخلخلة حركته وتوازنه من جهة، وسببًا لتدهور حالته النفسية من جهة أخرى.. أما الإصابة الثانية فقد زادت حالته سوءاً وحركته بطئا، وتصرفاته جنونا، وعن الناس نفورا.. يقعد في منزله، لا يخرج إلا نادرًا -حد قوله.. خصوصًا من بعد حادثته الثانية، والتي تلاها تغييرات وتبديلات وهيكلة للمجاميع في مُختلف الجبهات.. ناهيك عن سوء ظروفه المعيشية في ظل انقطاع الرواتب.
 
يتمنى الشفاء من أجل العودة إلى مترسه 
 
من إصابة في الرأس إلى إصابة في الحوض وصولًا إلى شلل نصفي يصاحبه ألم ووجع كبيرين ومعاناة لا تتوقف.. يعيش مُحاطا بجراحه، يود لو أن عجلة الزمن تعود به قليلًا، إلى الوقت الذي كان فيه قادرًا على حمل بندقيته.. يتمنى الشفاء من أجل العودة إلى مترسه ومكانه الذي يفتقده رغم سنوات الألم التي عاشها الجريح ممزوجة بإهمال الجهات الرسمية.. هنا رجل صدق عهده ورَغِب في إكمال ما بدأه حتى وإن كان مشلولًا.
 
وأنت تستمع إلى حديث إبراهيم ستشعر بانتمائه لسيرة القدماء الأحرار، أولئك المؤمنين بكُبر قضية الوطن، المتشبثين بسبتمبر، والمناصرين لأكتوبر. إذ يُعتبر أول مُقاتل في المدينة تعرض للقنص المباشر، وخامس ضحايا قناصة الحوثي، بحسب اللجنة الوطنية للتوثيق.
 
ورغم كل ما قدّمه هذا الرجل من تضحيات إلا أن لديه إنكاراً بالغاً للذات.. رفض أن نلتقط له صورة مُباشرة، وعندما سألناه عن السبب، أجاب: لا داعي للشهرة أو التشهير.. لستُ الوحيد الذي ضحى من أجل تعز، فأنا ابن شهيدة وأخ لشهيدين، وأب لبندقيتي ومدينتي.. 
 
....وللقصة بقية.

ذات صلة