«صناعة الفقر» تخصص الحوثي: منع توزيع الصدقات ومساعدات التجار

02:46 2023/04/20

إلى جانب سلسلة من الإجراءات التي تسببت في تفشي البطالة وارتفاع الأسعار وازدهار الفساد وسرقة وإعاقة وصول المساعدات وحرمان اليمنيين من المرتبات والخدمات الضرورية، منع الحوثيون التجار ورجال الأعمال وفاعلي الخير من توزيع الصدقات الموسمية لفقراء اليمن كما جرت العادة وباعتبار الصدقة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.
 
في الوقت الذي تحرص فيه أيَّة سُلطة أو نظام حكم في العالم على دعم وتشجيع فاعلي الخير والمتصدقين ليساهموا في التخفيف من وطأة الفقر والمعاناة الإنسانية، نفَّذت جماعة الحوثي حملات واسعة لمنع توزيع أيَّة صدقات لا تكون بإشراف تام منها لتتمكن من استغلال هذه الصدقات -كالعادة- سياسيًّا وطائفيًّا وعسكريًّا، إلى جانب نهبها لجزء من هذه الصدقات لصالح قياداتها والمشرفين الذين يعملون معها.
في شهر رمضان تحديدًا من كُلّ عام، اعتاد التجار والمغتربون ورجال الأعمال والميسورون التصدق على الفقراء في مختلف المناطق، كما تكثر المبادرات المجتمعية للتخفيف من معاناتهم وتوفير أكبر قدر ممكن من الغذاء والملبوسات العيدية لأطفالهم. ولهذا ينتظر مئات الآلاف من الفقراء في اليمن قدوم هذا الشهر بفارغ الصبر للحصول على المساعدة.
 
يتم توزيع هذه المساعدات عبر المساجد أو عبر مندوبين للتجار ورجال الأعمال أو عبر جمعيات ومبادرات مجتمعية في الأحياء والقرى. ومنذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، بدأت الجماعة في مصادرة صناديق التبرعات في المساجد والمرافق العامة وكذا التابعة للجمعيات والمؤسسات الخيرية المصرح بها ثم حولتها لصالحها. ومنذ العام 2020م، بدأت تنفذ مداهمات لمنازل وشركات رجال الأعمال والشخصيات العامة التي تقدم مساعدات للمواطنين. في شهر رمضان 1441 هجرية والموافق مايو/ أيار 2020م اقتحمت عناصر الحوثي مقر شركة السنيدار في صنعاء وأغلقته واحتجزت عددًا من العاملين فيها على خلفية توزيعهم صدقات اعتادوا تقديمها للفقراء في الأحياء السكنية المجاورة لمنازلهم ومقر الشركة، كما داهمت منزل صاحب الشركة لتبلغه بأنَّ عليه التوقف عن توزيع الصدقات، أو تسليم هذه الصدقات لمشرفين حوثيين في المنطقة( ).
 
 
تاجر القمح والسكر حميد حسين الكبوس هو أيضًا تعرض لمضايقات أضعفت نشاطه الخيري. كان الكبوس - بشهادة سكان منطقة غيل همدان التي ينتمي إليها- يوزع سنويًّا في شهر رمضان لحوالي 1500 أسرة تعيش في منطقتي غيل همدان وبيت مؤنس التابعة لمحافظة صنعاء، كيسًا من القمح (خمسين كيلوغرام) وكيس سكر وأرز وزيت. إلَّا أنَّ مندوب الحوثيين في المنطقة اصطدم به وفرض عليه أن يتم التوزيع عبر الحوثيين وأن يتم استقطاع جزء كبير من الصدقات لصالح الحوثيين.
 
في كُلّ عام، كانت قيود الحوثيين ضد الصدقات تتزايد وتصبح أكثر قسوة. في العام 2022م كتب الشاعر اليمني المعروف زين العابدين الضبيبي ما يشير إلى ذلك فقال: «التاجر اليمني المعروف حيدر فاهم كان يوزع سنويًا في صنعاء ثلاثة آلاف سلة غذائية. وطوال السنوات الماضية تمت مضايقته وفرض كشوفات توزيع من قبل جماعة الحوثي غير التي اعتاد أن يوزعها، إضافة إلى مضاعفة الضرائب على تجارته لأنَّهُ يوزع زكاة على الفقراء. وهذا العام يتم منعه من التوزيع نهائيًا إلَّا وفق إرادتهم وعبرهم. حتى أرزاق الفقراء لم تسلم منهم.. هؤلاء لصوص وليسو حكامًا( ).
 
 
 
ما جرى لمجموعة السنيدار التجارية والتاجر الكبوس، حدث مع كثير من الشركات ورجال الأعمال والميسورين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين كما أصدرت وزارة الأوقاف الحوثية تعميما على المساجد بعدم صرف أي مساعدات سواء كان في شهر رمضان أو بقية الشهور إلَّا بعد أخذ تصريح من الأوقاف. وتتوزع عناصر الحوثي في شهر رمضان على الشوارع والأحياء التي فيها منازل رجال الأعمال أو ميسورين تعودوا على توزيع المساعدات خلال النصف الأخير من الشهر لتقوم بتفريق جموع الفقراء التي تنتظر المساعدات أو وجبات الإفطار( ) بل ومطالبة الجمعيات الخيرية بمبالغ مالية نظير السماح لها بمساعدة الفقراء والمساكين بحسب مركز المستقبل للدراسات والبحوث اليمني( ).
 
في ابريل/نيسان 2022 الذي وافق شهر رمضان، صادر الحوثيون في محافظة المحويت حمولة كبيرة من التمور كان أحد المغتربين اليمنيين قد قدمها كمساعدة للمعلمين في منطقة الجبل في المحافظة نظرا لظروفهم المعيشية الصعبة الناتجة عن عدم حصولهم على المرتبات منذ سنوات. كما قاموا بمنع التجار والمغتربين من توزيع زكاتهم على الأسر الفقيرة واشترطوا تسليمها لهم ليقوموا بعملية التوزيع وهذا ما دفع كثير من المزكين والميسورين لتوزيع زكاتهم وصدقاتهم على الأسر الفقيرة سرا.
 
هذه الممارسات الكارثية، تجاوزت قدرة عضو اللجنة الثورية الحوثية محمد المقالح على الصبر والصمت، ودفعته لأن يكتب مستنكرا مصادرة الحرية الفردية في توزيع الصدقات قائلًا: «حتى الصدقة لا تستطيع إعطاءها للمحتاج دون أن تمُر عن طريقهم. يريدون أن يسيطروا على كُلّ فلس في المجتمع بعد إكمال سيطرتهم على كُلّ فلس في الدولة ومن خارجها»( ).
 
وقد أصدر مثقفون وناشطون يمنيون (من بينهم عبد الباري طاهر،  وأحمد ناجي النبهاني، وعلي عبد الله السلال، ويحيى منصور أبو أصبع، وعبد الكريم الرازحي، ومحمد صادق العديني، ومحمد علي اللوزي... وغيرهم) بيانًا يستنكر هذه الممارسات التي وصفوها بـ «السلوك الهمجي».
 
بيان تضامني ضد التقييد على الحرية الفردية في الإنفًاق على الفقراء والمساكين:
الممارسات التي يشهدها الواقع في صنعاء والتي تقوم على اعتقال أي تاجر مقتدر يقوم بتوزيع الصدقات بنفسه ولا يتم الإفراج  عنه حتى يكتب تعهدًا بأنَّهُ إذا أراد أن يتصدق فله ذلك ولكن عبر المشرفين الحوثيين. يعني أنَّهُ يسلم الصدقات لهُم وبالتالي هُم يوزعونها بالنيابة عنه. نتساءل هنا: هل يُنفِّذ الحوثيون توجيهات قيادتهم بهذا الخصوص أم إنَّهُم ينفذون هذا النوع من السلوك اجتهادًا من عند أنفسهم؟ وفي كُلّ الأحوال فإنَّ على قيادة الحوثيين أن توضح موقفها من هذا السلوك القبيح الذي يقوم على مبدأ تقييد حرية الناس في الصدقة على المحتاجين. الكثير من التجار سيتوقفون عن الصدقة وسيكتفون بالزكاة وحدها. مثل هذا السلوك سيتضرر منه الفقراء والمساكين وليس غيرهم.. مثل هذا السلوك يكسر صدقة السر التي دأب أهل الصلاح من المسلمين على الإنفاق سرا حتى لا تعلم يسراهم ما أنفقت يمناهم. مسئولية العقلاء من الحوثيين تحرير جماعتهم من هذا السلوك القبيح  وغير الرشيد، ومسئولية منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان والناشطين المدنيين إدانة مثل هذه الممارسات التي تقيد الحرية الفردية في الإنفاق على الفقراء والمساكين.. لنتضامن جميعًا ضد هذا السلوك الهمجي»( ).
 
ومع مجيء عيد الأضحى من كُلّ عام، لا تُفوِّت الجماعة هذه المناسبة الإسلامية وتُعِد نفسها سنويًّا لنهب ما يمكن من أموال وصدقات على حساب الفقراء والمحتاجين في اليمن بدءًا من مطالبة السكان تقديم مساعدات تحت اسم «دعم قافلة الأضاحي» أو «رسوم نظافة أضاحي العيد»( ). كما صادرت أضاحي المواطنين واختطفت متطوعين أثناء توزيعهم مساعدات وأضاحي( ) على المحتاجين في أحياء منطقة مذبح في العاصمة صنعاء، ولم تطلق سراحهم إلَّا بعدما تعهَّدوا خطيًّا بعدم توزيع المساعدات( ).
 
وفي أكثر من منطقة يمنية، يأخذ الحوثيون أضحيات المواطنين بعد ذبحها خلال أيام التشريق، بذريعة إرسالها إلى المقاتلين في الجبهات دون رضا أصحاب الأضاحي. ومن أمثلة عمليات نهب الاضاحي، ما تعرضت له منظمة ساند للإغاثة والتنمية التي يرأسها محمد حميد الكبوس في عيد الأضحى العام 2021م، حيث نهب الحوثيون حوالي 250 رأس غنم و50 من البقر كانت ستوزع لحوالي 600 أسرة في حي التلفزيون وباب اليمن ونقم والجراف والزراعة، وذلك بدعم من جهة مانحة في جمهورية اندونيسيا. 
 
بحسب شهادة أحد المستفيدين، وبعد ذبح ما يقارب خمسين رأس من الغنم، أخذها الحوثيون ووزَّعوا جزءا بسيطا لبعض الأسر في القوائم، وأخذوا بقية الأضاحي بعد مشادة مع بعض أعضاء المنظمة ليعود المواطنون في نهاية المطاف بخفي حنين إلى منازلهم.
قيام الحوثيين بتجفيف منابع الصدقات - في شهر رمضان وغيرها من شهور العام - ومحاصرة هذا النوع من التكافل والتراحم المجتمعي، إلى جانب ما سبق من الإجراءات الاقتصادية التي تتسبب في زيادة المعاناة وتفاقم الوضع الإنساني، دليل إضافي قاطع على سياسة التجويع المُمنهَجة والتحكم بمصادر الدخل والمعونات على حد سواء، بما يمكنها في نهاية المطاف من حوثنة المجتمع وتوجيهه سياسيًّا واستخدامه عسكريًّا.
 
* من كتاب الجريمة المُركّبة.