سمير اليوسفي يفحص 52 صفحة أممية ويفتح ملف «مشتريات الحرب» في البحر الأحمر: محركات في «ثياب التجار» وصواريخ من «ملح الطعام»!
- كتب / سمير رشاد اليوسفي
- منذ 52 دقيقة
- 52 صفحة أممية تفتح ملف «مشتريات الحرب» في البحر الأحمر.. كيف تجد المكونات المدنية طريقها إلى مسيّرات عابرة للحدود؟!
الملابس لا تحتاج إلى بنزين.. هكذا يقول المنطق البسيط. لكن في ديسمبر 2022، وعند معبر «شحن» الحدودي مع سلطنة عُمان، أوقفت الجمارك اليمنية شاحنة بضائع مصرحاً بأنها تحمل «شحنة ملابس».
ملابس؟..
كشف التفتيش عن 100 محرك بنزين ثنائي الأشواط من طراز «DLE-170»، صُممت أصلاً لطائرات الهواة المتحكَّم فيها عن بُعد، وكيّفها الحوثيون لتشغيل مسيّراتهم الهجومية! لم تتطابق الحمولة مع الورق، وبين الورق والواقع ظهرت الثغرة التي تعبر منها بضاعة تجارية بريئة قبل أن تتحول إلى قطعة في سلاح.
نترك المشهد في «شحن»، وننتقل إلى عدن في أغسطس 2025. عشرات الحاويات البحرية شُحنت إلى الحديدة، وأُرسلت إلى جهات مستلِمة يُزعم ارتباطها بالحوثيين. اعترضتها السلطات اليمنية، وكانت تحتوي على معدات تصنيع وأدوات صنع قوالب ومواد خام ومكونات غير معلن عنها.
وفي قلب إحدى الشحنات ظهر الصيد الأخطر: جهازا تحليل كهربائي صناعيان منفصلان مصنوعان من التيتانيوم، ومولد نيتروجين، ومبرد صناعي، وطاحونة لفصل مكونات الهواء مع فاصلها الحلزوني، وغربال صناعي، ولوحة تحكم، وتجهيزات مضادة للانفجار والتآكل مصممة هندسياً لتجميعها في خط إنتاج متكامل، ومصنفة للعمل في «بيئة شديدة الانفجار»!
محركات طائرات في «شحن»، ومعدات إنتاج كيميائي في «عدن»! الأولى تكشف شريان إمداد الورش بالمكونات، والثانية تطرح احتمال توطين وسائل الإنتاج نفسها.

هذا هو الخيط الذي تتبعه وثيقة مجلس الأمن العامة «S/2026/712»؛ تقرير من 52 صفحة، أعدّه فريق الخبراء المعني باليمن، وسُلّم إلى لجنة العقوبات في 30 يونيو 2026، ونظرت فيه اللجنة في 31 أغسطس، قبل إصداره رسمياً في 2 سبتمبر عملاً بالقرار 2801 لسنة 2025.
تقرير تقني، صارم، بارد الأعصاب، يناقش المكونات "المزدوجة" الاستخدام والسلائف الكيميائية، ويضع تحت المجهر حركة الحوثيين —المدرجة في قوائم الجزاءات بالرمز «YEe.001»— ليجيب عن سؤال واحد: كيف تشتري الحرب احتياجاتها من السوق المدنية؟
* الطائرة التي غيّرت جلدها.. والصورة التي تكلمت!
الطائرة الكاملة حمولة ضخمة يصعب إخفاؤها على الحدود؛ أما أجزاؤها، فيمكن توزيعها بين الشحنات والوسطاء، بينما يُصنع بعض هيكلها في الداخل.
في نوفمبر 2016، ضُبطت قرب مأرب شاحنة قادمة من عُمان تحمل 6 مسيّرات «قاصف-1» كاملة مفككة جزئياً. كانت تكاد تتطابق مع «أبابيل-T» التي تصنعها شركة صناعة الطائرات الإيرانية، وأكد تتبّع الفريق للمكونات أن مصدر المواد اللازمة لتجميعها هو إيران.
ومع ذلك، أعلن الحوثيون في فبراير 2017 أن «قاصف-1» صُممت وأُنتجت محلياً! صناعة محلية؟.. لم تكن الأدلة الميدانية التي يستعرضها التقرير تسند ذلك الادعاء في تلك المرحلة.
لكن فحص طائرة «قاصف-1» انتُشلت في أبريل 2018 كشف تحولاً ملموساً في طريقة العمل: هيكل رديء الصنع من الألياف الزجاجية، ولوحات دوائر مركبة بشكل بدائي، ومكونات تجارية لم تكن في النسخة الأصلية. رأى التقرير في هذه الخصائص دلالة على تجميعها داخل ورشة في اليمن.
رداءة الصنع لم تكن عيباً عابراً؛ كانت بصمة تشير إلى تغير مكان العمل وطريقته.
وعززت هذا التقييم صورة أرشيفية نشرتها قناة «المسيرة» في ديسمبر 2025 عقب وفاة زكريا عبد الله حجر، الملقب بمهندس برامج المسيّرات الحوثية. ظهر فيها عام 2018 داخل ورشة أسلحة، يستعرض مع صالح الصماد ومحمد الغماري طائرة «قاصف» رديئة الهيكل قيد الإنشاء.
وبحلول 2020، كان الفريق قد خلص إلى تصنيع مسيّرات «قاصف» في مناطق الحوثيين بمزيج من مواد محلية ومكونات عالية القيمة مستوردة. لم يعد السؤال: محلية أم مستوردة؟ بل: أيّ أجزائها يُصنع هنا، وأيّها يأتي من هناك؟
ومع اختلاف المحركات والخزانات وإلكترونيات الطيران، تتسع المسافة بين الطرازات: من نحو 150 كيلومتراً بمحرك «DLE-111» في «قاصف-1»، إلى مدى تقديري بين 1500 و1800 كيلومتر في «صماد-3»، بحسب الحمولة، وقد استُخدم فيها المحرك «DLE-170»، وصولاً إلى أكثر من 2000 كيلومتر بمحرك «MD275» في «يافا»، التي استُخدمت ضد إسرائيل خلال عامي 2024 و2025.

وظل شريان التهريب يضخ: ففي يناير 2025، حجزت الجمارك اليمنية 5 محركات و5 أجهزة تحكم في الطيران داخل شحنة مصرح بها باعتبارها أقمشة. وفي يونيو، ضبطت القوات اليمنية 105 محركات على متن مركب شراعي يهرب أسلحة إلى مناطق الحوثيين. وفي أغسطس، حُجزت في عدن علب أعمدة مرفقية لمحركات مسيّرات ضمن شحنة «صفائح وقضبان حديدية». كما ضُبطت خلال العام نفسه في جيبوتي محركات مسيّرات صغيرة كانت متجهة إلى الحديدة.
وحتى «عقل الطائرة» تنكّر في ثوب مدني! ففي مارس 2026، ثبت للفريق اعتماد «رجوم» على حاسوب تحكم مفتوح المصدر من نوع «Pixhawk»، واعتماد «راصد» على نظام مماثل. حمل الجهازان علامات خاصة تُظهرهما كمكونات مدنية ذات تطبيقات لا صلة لها بالمسيّرات؛ وربما كان المقصود، وفق التقرير، تضليل التفتيش الجمركي.
ومع ذلك، تقف المكونات الحرجة في طريق الاكتفاء الذاتي الكامل؛ فالحوثيون لا يمتلكون القدرة على تصنيع وحدات القياس وأجهزة الاستشعار بالقصور الذاتي. وهناك قيد آخر: تجعل السرعة والاهتزازات والضغط الحراري للطيران الباليستي معظم الإلكترونيات الاستهلاكية غير مناسبة، بما يستلزم عادة مكونات أشد تحملاً.
أما استمرار الاعتماد على الاستيراد، فتكشفه واقعة أخرى: في يونيو 2025، اعترضت القوات اليمنية مركباً يهرب أسلحة نحو ميناء الصليف، وضبطت على متنه 80 نظام ملاحة بالقصور الذاتي لقذائف «القدس» الانسيابية، ونظامين لقذائف «بركان» التسيارية.

ولا تقتصر أسئلة الإمداد على القطع؛ فهناك المعرفة اللازمة لدمجها وتشغيلها. وفي بيان منفصل بتاريخ 3 نوفمبر 2026، أعلنت الداخلية اليمنية وجود 21 خبيراً من الحرس الثوري وحزب الله يعملون مع الحوثيين، بينهم 8 في الحديدة، ونسبت إلى الشبكة إدارة التهريب ونقل خبرات التصنيع والتجميع. وقد نفى حزب الله إرسال خبراء إلى اليمن. وهي اتهامات حكومية منفصلة عن نتائج التقرير الأممي، ولا يثبت البيان صلة هؤلاء الخبراء بالشحنات المذكورة تحديداً.
*كيمياء الملح.. وإبرة السلاح في كومة قش الكهرباء!
نعود إلى معدات عدن. لا يثبت الفريق تشغيل مصنع فعلي، لكنه يرجّح أن الغرض من المعدات المضبوطة إنتاج «كلورات الصوديوم» و/أو «فوق كلورات الأمونيوم»، المستخدمة مؤكسداً أساسياً في وقود الدفع الصاروخي الصلب.
وهنا يدخل ملح الطعام إلى القصة؛ فإنتاج كلورات الصوديوم على نطاق شبه صناعي، بالمعدات المناسبة، لا يتطلب سوى الملح العادي والكهرباء، بما قد يمهد الطريق لإنتاج فوق كلورات الأمونيوم محلياً وتفادي مخاطر تهريبها.

لا تخرج قذيفة باليستية من كيس ملح، ولا تكون المادة المؤكسدة وحدها وقوداً صاروخياً مكتملاً. لكن الملح العادي قد يكون الخطوة الأولى في مسار صناعي ينتهي بمادة تدخل في ذلك الوقود.
وللاهتمام بهذه المادة شواهد. ففي نوفمبر 2022، اعتُرض في خليج عُمان مركب شراعي يهرب إلى اليمن نحو 65 طناً من فوق كلورات الأمونيوم، مخفاة وسط شحنة أسمدة مصرح بها. ويقدّر التقرير أنها تكفي، مع توافر المواد والمعدات الأخرى، لتصنيع محركات لعدد ربما يزيد على 20 قذيفة «فلسطين-2».
وفي فبراير 2023، ضبطت القوات اليمنية في عدن قرابة 5 أطنان من مسحوق الألومنيوم، مع مسحوق أكسيد الحديد وراتنج الفينول وقطع غيار رشاشات وآلات يُشتبه في استخدامها لإنتاج الأسلحة. بقي الاستخدام النهائي للشحنة غير واضح، وإن كان التقرير يقدّر أن كمية الألومنيوم تكفي لإنتاج 8 إلى 10 قذائف «فلسطين-2».

هذه تقديرات لما قد تسمح به الكميات، لا إحصاء لصواريخ ثبت تصنيعها. كما لا يحسم التقرير أيّ منظومات الوقود الصلب تنتجها الجماعة بالفعل، أو حجم تشغيل خطوط محركاتها.
ويمتد الرصد إلى الوقود السائل. ففي تحقيق أجراه الفريق في فبراير 2017 بشأن معدات ضُبطت قرب مأرب، رُصدت بقايا بنية محمرة على صمام جهاز تعقيم صناعي، اعتُبرت مؤشراً على وجود أحد مشتقات حمض النيتريك المدخّن الأحمر المثبَّط. كما أورد التقرير مؤشرات على احتمال حصول الحوثيين على الهيدرازين في عامي 2022 و2023، دون دليل مباشر يربطه بمنظومات قذائفهم.
ولكن، لماذا يحذر التقرير من أن صناعة الحوثيين بلغت مستوى يكاد يتعذر معه تقييدها بالأدوات الدولية الراهنة، أو عكس مسارها دائماً بالإجراءات العسكرية الأحادية؟
لأن ليست كل قطعة مطلوبة للحرب مصنوعة للحرب.
يناقش التقرير ممارسة تسمى «الحصاد»: استخراج المكونات من سلع أو معدات غير خاضعة لضوابط الاستيراد وإعادة توظيفها عسكرياً. فالمتحكمات الدقيقة المستخدمة لتوجيه المسيّرات تتطابق وظيفياً مع مكونات إلكترونية قياسية للوحات عدّادات السيارات والأجهزة المنزلية. نحن هنا أمام قابلية للتحويل، لا توثيق واقعة بعينها لانتزاع رقائق من عدّاد سيارة وزرعها في مسيّرة.
وإذا تعذر الحصول على مكوّن، قد يحل بديل ذو خصائص مماثلة محله. وإذا ضاق طريق توريد، تستطيع شبكة الشراء البحث عن غيره. لذلك يصنّف الفريق المواد بحسب وظائفها وخصائصها، لا أسماء الشركات والطرازات وحدها.
والأصعب هو الاندماج وسط «شريان الحياة المدني». فقد قفزت واردات اليمن من بطاريات أيونات الليثيوم من 6 أطنان عام 2014، بقيمة 56 ألف دولار، إلى 212 طناً عام 2024، بقيمة 530 ألف دولار. يعكس ذلك تنامي الاعتماد على الطاقة خارج الشبكة، مع استخدامات مدنية تشمل العدد الكهربائية والمركبات الكهربائية الصغيرة.
أما احتياجات التصنيع العسكري من هذه البطاريات، فيقدّرها التقرير بمئات الكيلوغرامات إلى بضعة أطنان سنوياً.. إبرة عسكرية في كومة قش مدنية!
لكن الكومة هذه المرة ليست فائضاً يجوز إتلافه؛ إنها جزء من احتياجات بلد إلى الكهرباء والصيانة والحياة اليومية.
لهذا يقترح الفريق على مجلس الأمن ولجنته تحركاً إقليمياً بمشاركة اليمن ودول المنطقة، ودعماً تقنياً للحكومة اليمنية لتحليل المضبوطات والمواد الكيميائية والحطام، وتتبع الوسطاء والجهات المتلقية، وتبادل المعلومات مع دول المنشأ والعبور.
ويعرض مجموعتين مقترحتين: 24 بنداً متداخلة مع الاحتياجات المدنية، و20 محدودة الصلة بها. ويوصي بأن تطلب اللجنة من الحكومة اليمنية دراستهما بالتشاور مع الفريق، وتقديم آرائها خلال 30 يوماً، تمهيداً لمناقشة القوائم النهائية والاتفاق عليها.
المطلوب رقابة على المسار والمشتري، لا حصار المدنيين باسم مراقبة السلع. وظهور منتج تجاري في سلاح لا يثبت وحده تورط مُصنّعه؛ فلا يكفي التعرف على القطعة إذا ظل الطريق الذي قطعته مجهولاً.
ليست للملح نوايا عدوانية، ولا تُستجوب البطاريات عن عقيدتها القتالية. وحده المشتري يعرف أيَّ مستقبل يعدّه لهذه البضائع البريئة.. ومن سوء حظ الجمارك أن النوايا لا تُشحن في صندوق منفصل.