بين عهد صالح وما بعد فبراير: من دولة قابلة للإصلاح إلى وطن بلا دولة
قبل 3 ساعة و 29 دقيقة
لا وجه للمقارنة بين اليمن قبل فبراير 2011 واليمن بعدها.
المقارنة بين اليمن في عهد الرئيس علي عبدالله صالح، بكل ما فيه من اختلالات وأخطاء، وبين اليمن بعد 11 فبراير، مقارنة مختلة من الأساس، لأنها تضع دولة ناقصة الأداء في مقابل وطن ممزق الكيان.
لا أحد يدّعي أن مرحلة ما قبل 2011 كانت مثالية أو خالية من الفساد وسوء الإدارة أو الاختلال المؤسسي، لكن الحقيقة التي يصعب تجاوزها أن الدولة كانت قائمة: جيش موحد، مؤسسات تعمل – ولو بفاعلية متفاوتة – حدود ممسوكة، وعملة مستقرة نسبيًا، ومجتمع لم يُمزَّق بعد على أسس طائفية ومناطقية حادة.
في المقابل، ما بعد فبراير لم يكن مرحلة تصحيح أخطاء بقدر ما تحول إلى سلسلة أخطاء مركبة؛ انتقال سياسي هش، صراع نخب، انهيار توازنات، فراغ سلطة، ثم انقضاض المليشيات، وفي مقدمتها الحوثيون، وصولًا إلى حرب شاملة وانقسام جغرافي ومؤسسي لا يزال قائمًا حتى اليوم. هنا لا تجري المقارنة بين “جيد وسيئ”، بل بين نظام كان يمكن إصلاحه تحت سقف الدولة، وبين فوضى أكلت الدولة ذاتها.
يقال إن ما حدث كان ثورة، وإنها سُرقت أو تم التآمر عليها. لكن حتى لو سُلِّم بذلك، فالنتيجة السياسية تُقاس بالمآلات لا بالنوايا. المآل في الحالة اليمنية كان: سقوط المركز، تفتت القرار، تعدد الولاءات المسلحة، تدخلات إقليمية ودولية مفتوحة، وانزلاق البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
حين تصل “الثورة” إلى نقطة يفقد فيها الوطن وحدته ومؤسساته، يصبح السؤال مشروعًا: هل كان مسار التغيير مدروسًا؟ وهل امتلكت القوى التي تصدّرته مشروع دولة بديلًا، أم مجرد شعارات؟ عهد صالح لم يكن خاليًا من الأخطاء، لكنه كان عهد الدولة القابلة للإصلاح. أما مرحلة ما بعد فبراير فارتبطت بواقع الدولة الغائبة أو المتنازَع عليها. الفارق الجوهري أن الخطأ داخل الدولة يمكن احتواؤه، أما الخطأ مع غياب الدولة فيتحول إلى فوضى مفتوحة يصعب ضبطها.
المشكلة ليست في نقد الماضي، فالنقد ضرورة، بل في تحويله إلى قطيعة مع مفهوم الدولة ذاته. شيطنة مرحلة كاملة دون قراءة موضوعية لتوازناتها، وفي المقابل تبرير الفوضى لأنها جاءت بشعار “التغيير”، هو أحد أسباب استمرار المأزق اليمني.
اليمن اليوم لا يحتاج صراع سرديات بقدر ما يحتاج إجماعًا على أولوية استعادة الدولة، أيًّا كان شكلها القادم، وتصحيح الأخطاء بمنطق بناء لا هدم. فالأمم لا تعيش على الثأر السياسي من الماضي، بل على القدرة على التعلم منه.
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الآية هنا ليست دعوة لنسيان التاريخ، بل لعدم البقاء أسرى له، والانشغال بما يمكن فعله اليوم لإنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع.
