مشروع الترميم لتراثنا الوطني والتحديات القائمة
قبل 6 ساعة و 22 دقيقة
يمثّل التراث الوطني في تعز إحدى أهم ركائز الهوية التاريخية والثقافية لليمن، بما يحمله من تنوّع معماري وثقافي وإنساني يعكس تعاقب الحضارات والدول التي مرّت على هذه المدينة. إن الحديث عن التراث في تعز ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو استحضار لقيمة وطنية جامعة، تستوجب وعيًا جماعيًا بأهمية الحفاظ عليها وصونها من العبث والإهمال، بوصفها ملكًا عامًا للأجيال الحاضرة والقادمة.
وتسعى الشعوب الواعية إلى حماية تراثها عبر تنظيم الفعاليات الثقافية والمهرجانات الشعبية والمعارض المتخصصة، لما لها من دور في إبراز الموروث التاريخي وتعزيز ارتباط المجتمع به. وفي هذا السياق، يبرز الدور الذي تلعبه المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو والاتحاد الأوروبي، اللتان أسهمتا في تنفيذ مشاريع لترميم وحماية مواقع تراثية يمنية مُدرجة ضمن قائمة التراث العالمي، مثل صنعاء القديمة وزبيد وشبام حضرموت وعدن، لمعالجة الأضرار الناجمة عن الحرب والعوامل الطبيعية.
غير أن تعز، رغم ما تختزنه من معالم أثرية ذات قيمة استثنائية، ما تزال تعاني من واقع مؤلم يتجلى في سوء إدارة بعض مشاريع الترميم، وغياب المعايير العلمية، وافتقار الشفافية. فقلعة القاهرة وجامع الأشرفية، على سبيل المثال، خضعا لأعمال ترميم شابتها تشوهات واضحة وحفريات عشوائية، خصوصًا جامع الأشرفية الذي يُعد رمزًا تاريخيًا للدولة الرسولية، حيث تعرّضت قبور ملوكها للنبش وتغيير مواضعها، ما ألحق أضرارًا مادية وتاريخية لا يمكن تبريرها تحت أي مسمى.
ولا يقل وضع المدرسة الشمسية، المعروفة بالمظفر، خطورة عن ذلك، إذ جرى العبث بأساساتها بحجة الترميم، وتم نقل أحد القبور، ما أدى إلى خلخلة القواعد الإنشائية للمبنى وتهديده بالانهيار. هذه الممارسات تكشف خللًا عميقًا في فهم مفهوم الترميم، وتحويله من أداة للحماية إلى وسيلة للتدمير، وتؤكد الحاجة الماسّة إلى الانتقال من التنظير في الندوات والورش إلى التطبيق الميداني الجاد.
فالترميم والتوثيق، وفق المعايير العلمية، لا يتمان إلا بعد تقييم وفحص دقيقين، يعقبهما تخطيط واضح وخطة تنفيذية تهدف إلى معالجة الأضرار مع الحفاظ على القيمة الأصلية للموقع. وعندما يتعذّر استخدام المواد التقليدية، يصبح اللجوء إلى التقنيات الحديثة، مثل الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد، خيارًا ضروريًا لضمان صون الهوية التاريخية للمادة الأصلية.
كما أن إشراك المجتمع في قضايا التراث يمثل عنصرًا حاسمًا في حمايته، إذ يعزز الشعور بالمسؤولية الجماعية، ويجعل التراث قضية عامة لا حكرًا على جهة بعينها. ويكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة في مجتمع متنوع ثقافيًا، حيث تمثل الشفافية والانفتاح أساسًا لبناء الثقة والتفاعل الإيجابي.
وتؤدي المؤسسات التعليمية دورًا محوريًا في هذا المسار، إذ لا يمكن ترسيخ الوعي التراثي دون إدماج قيمته في المناهج الدراسية. إن غياب التوعية أسهم في خلق فجوة بين الأجيال وتاريخهم، وجعل بعضهم غير مدرك لأهمية المواقع الأثرية، بل ومشاركًا أحيانًا في الإضرار بها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى برامج تعليمية وثقافية، ورحلات ميدانية للمواقع الأثرية، تكرّس الوعي بالتراث باعتباره قيمة معنوية واقتصادية من خلال السياحة.
وفي ظل العشوائية العمرانية، وضعف مؤسسات الدولة، والصراعات المسلحة، وغياب الوعي المجتمعي، يواجه تراث تعز تحديات جسيمة. ومع ذلك، يظل التراث الثقافي أحد أهم أدوات الصمود والتماسك الاجتماعي وبناء السلام، لما يعززه من شعور بالهوية والانتماء، وما يوفره من فرص للتنمية والتفاهم والوحدة الوطنية.
