صنعاء من الداخل في عهد السلالة الحوثية

قبل 3 ساعة و 16 دقيقة

لم يعد ما يجري في صنعاء خافيًا على أحد، فالقهر حين يتجاوز حدّ الاحتمال يخرج إلى العلن، حتى على ألسنة من اعتادوا الصمت. ظهور الفنان القدير علي الكوكباني في مقطع فيديو وهو يشكو بمرارة من الظلم الطبقي الذي تمارسه عصابة الكهنوت الحوثي، لم يكن حادثة فردية ولا زلّة عاطفية، بل شهادة من داخل الجرح، تكشف بنية نظام سلالي قبيح يقسّم المجتمع إلى درجات، ويمنح “السلالين” الامتيازات، ويترك بقية اليمنيين على هامش الحياة.
 
في صنعاء اليوم، لا تُقاس الكفاءة بالعمل ولا تُكافأ الخبرة بالعطاء، بل يُقاس كل شيء بالانتماء العِرقي والسلالي. موظفون يُصنَّفون كما تُصنَّف البضائع: فئة أولى لها الرواتب والمكافآت والسلطة، وفئات دنيا تُدفن حقوقها تحت لافتات “المجهود الحربي” و“الظرف الاستثنائي”. هذا ليس خللًا إداريًا، بل عقيدة حكم، ترى اليمن غنيمة، والدولة مزرعة، والمجتمع طبقات.
 
منذ انقلابهم على النظام والقانون، لم يترك الحوثيون مؤسسة إلا وعبثوا بها، ولا موردًا إلا ونهبوه، ولا قيمة إلا ودهسوها. صنعوا دولة داخل الدولة، ثم سحقوا الدولة نفسها. صادروا الرواتب، أفقروا الناس، شيطنوا الاختلاف، وكمّموا الأفواه. وحين اشتكى فنانٌ من الظلم، لم يفعل سوى أن قال ما يقوله الآلاف همسًا في البيوت والشوارع: إن هذا الحكم لا يرى اليمنيين متساوين، ولا يعترف إلا بمن يحمل ختم السلالة.
 
الخطير في هذه التجربة ليس الفساد وحده، بل تكريسه كمنهج، وتقديسه كحق “إلهي”. إنها عودة صريحة إلى ما قبل الجمهورية، إلى زمن الامتيازات الوراثية، حيث يُحكم الناس بالدم لا بالدستور، وبالنسب لا بالمواطنة. وما يجري في صنعاء اليوم هو إنذار أخلاقي وسياسي: دولة تُدار بهذه العقلية لا يمكن أن تُنتج عدلًا، ولا أن تصنع سلامًا.
 
وفي مواجهة هذا الظلام، لا خيار أمام الجمهوريين إلا استعادة البوصلة. الجمهورية ليست شعارًا، بل عقدًا اجتماعيًا يساوي بين اليمنيين، ويكسر وهم التفوق السلالي. الدعوة اليوم صريحة وواضحة: إلى كل الجمهوريين في الشمال والجنوب، في الداخل والخارج—توحّدوا، رصّوا الصفوف، ارفعوا الصوت، واستعيدوا المعنى. فكما نهضت شعوب ضد الطغيان حين توفرت الإرادة، يمكن لليمن أن ينهض حين تتقدم المواطنة على العصبية، والدولة على السلالة، والجمهورية على الكهنوت.
 
إن صنعاء تستحق دولة، لا طبقة. وتستحق عدلًا، لا نسبًا. والجمهورية—وحدها—هي الطريق.