05:04 2026/01/05
05:57 2026/01/01
بين واشنطن والرياض.. طارق صالح في قلب التوازنات الإقليمية للملف اليمني
09:21 2026/01/06
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يأتي اللقاء الذي جمع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي ـ رئيس المكتب السياسي للمقاومة الوطنية، الفريق أول ركن طارق صالح، مع السيد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبحضور السفير الأمريكي، في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، بوصفه حدثًا سياسيًا–أمنيًا تتجاوز دلالاته حدود المجاملة الدبلوماسية، ليعكس إعادة نظر واضحة في مقاربة الولايات المتحدة الأمريكية للملف اليمني.
دلالات التوقيت والمكان
لم يكن اللقاء معزولًا عن سياقه الإقليمي والدولي، بل جاء في ظل تصاعد تهديدات أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، وتزايد القلق الأمريكي والغربي من تحوّل الساحة اليمنية إلى مصدر تهديد عابر للحدود، بالتوازي مع تعقيدات المسار السياسي المتعثر.
اختيار الرياض، بوصفها الحاضنة الإقليمية للشرعية اليمنية ومركز الثقل في إدارة الملف اليمني، يؤكد أن واشنطن لا تنظر إلى هذا التواصل كقناة هامشية، بل كجزء من إطار إقليمي منسق يعكس شراكة سياسية وأمنية أوسع.
ماذا يعني اللقاء سياسيًا؟
سياسيًا، يعكس اللقاء اعترافًا أمريكيًا متقدمًا بدور طارق صالح كفاعل مركزي داخل معسكر الشرعية، لا باعتباره قائدًا عسكريًا فقط، بل كرقم سياسي قادر على قراءة المشهد وإدارة التوازنات. وهو ما يحمل رسائل متعددة الاتجاهات:
رسالة داخلية يمنية مفادها أن واشنطن تنظر إلى بعض القيادات بوصفها عناصر استقرار وبناء، لا أطراف صراع.
ورسالة إقليمية تؤكد أن الولايات المتحدة تدعم مقاربة شاملة لأمن المنطقة، يكون اليمن جزءًا منها لا ساحة هامشية.
أما رسالة الردع، فهي موجهة إلى الحوثيين ومن يقف خلفهم، بأن تهديد الملاحة الدولية لن يُترك دون تنسيق سياسي–عسكري أوسع.
الرؤية الأمريكية تجاه طارق صالح
تتبلور الرؤية الأمريكية تجاه الفريق طارق صالح ضمن ثلاث دوائر متداخلة:
أولها، قائد منضبط وغير مؤدلج، تنسجم مقاربته مع تفضيلات واشنطن في التعامل مع قوى عسكرية تحمل مشروع الدولة لا المشاريع الأيديولوجية العابرة للحدود.
وثانيها، يعتبر شريكاً معتمداً في أمن البحر الأحمر، حيث يجعل موقع قواته وانتشارها منها عنصرًا مهمًا في أي ترتيبات مستقبلية لحماية الممرات البحرية.
أما الدائرة الثالثة، فتتعلق بكونه فاعلًا سياسيًا قابلًا للاندماج، إذ يُنظر إليه كقائد منخرط في الإطار الدستوري للشرعية عبر مجلس القيادة الرئاسي، ما أكسبه قبولًا دوليًا متزايدًا.
الموقف الأمريكي من قوات المقاومة الوطنية
لا تتعامل الولايات المتحدة مع قوات المقاومة الوطنية كقوة محلية مؤقتة، بل كجزء من معادلة أمنية أوسع. وقد جرى تقييم هذه القوات وفق معايير مهنية واضحة، أبرزها مستوى الانضباط، ووضوح الرؤية والهدف، وكفاءة القيادة، والقدرة العالية على التنسيق، إضافة إلى عدم ارتباطها بأي أجندة متطرفة.
وعليه، فإن الاهتمام الأمريكي لا يُقرأ كدعم مفتوح، بل كرهان محسوب على قوة يمنية قادرة على الإسهام في الاستقرار، لا في تعميق الخلافات أو إنتاج الفوضى.
حماية الملاحة الدولية كمدخل استراتيجي
إدراج أمن الملاحة الدولية في صلب النقاش لم يكن تفصيلًا لغويًا، بل يعكس تحوّل هذا الملف إلى المدخل الرئيس لعودة الاهتمام الدولي باليمن. ومن هذه الزاوية، تُقرأ قوات المقاومة الوطنية، بقيادة طارق صالح، كجزء من الحل العملي على الأرض، لا كطرف تفاوضي متعنت. فالولايات المتحدة تبحث عن شركاء يملكون الجغرافيا والقوة والخبرة والانضباط، وهي عناصر تتقاطع بوضوح مع واقع هذه القوات.
الدور القادم لطارق صالح وقواته
استراتيجيًا، يمكن استشراف ثلاثة أدوار محتملة في المرحلة المقبلة:
الدور الأول أمني–بحري، يتمثل في المساهمة ضمن منظومة إقليمية–دولية لحماية البحر الأحمر وباب المندب.
والدور الثاني وطني، عبر الإسهام في إعادة ترتيب معسكر الشرعية عسكريًا وسياسيًا، وتقليص فجوات الثقة بين مكوناته.
أما الدور الثالث، فهو سياسي متقدم، يقوم على التحول من قائد ميداني إلى أحد واهم صناع القرار في هذه المرحلة.
الخلاصة..
لا يمكن قراءة هذا اللقاء بوصفه حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل مؤشرًا واضحًا على تحوّل في النظرة الأمريكية، من إدارة الأزمة اليمنية عن بُعد إلى البحث عن شركاء موثوقين على الأرض. وفي هذا السياق، يُنظر إلى طارق صالح كقائد تتقاطع عنده متطلبات الاستقرار، وأمن الملاحة، واستعادة الدولة، فيما تُختبر قواته اليوم كجزء من معادلة الردع والاستقرار، لا كقوة حرب فقط.
وأن واشنطن لا تراهن على الأشخاص بقدر ما تراهن على الأدوار، ويبدو أن طارق صالح وقواته باتوا يُرَون كجزء مهم ومحوري في اليمن والمنطقة.
